شيخ المجاهدين عمر المختار

 

 

عمر المختار من الأسماء القليلة التي برزت ولعبت أدوارا هامة في تاريخ الجهاد في ليبيا منذ بدايته عام 1911 وحتى استشهاده عام 1931 م بعد أن ملأ الدنيا بأخباره وأعماله وترك أثره في كل ناحية من نواحي الإدارة والحرب والتنظيم المالي والاجتماعي والحربي في حركة الجهاد العربي الليبي.
عمر المختار "إننا نقاتل لأن علينا أن نقاتل في سبيل ديننا وحريتنا حتى نطرد الغزاة أو نموت نحن, وليس لنا أن نختار غير ذلك, إنا لله وإنا إليه راجعون
ولد الشهيد عمر بن المختار بن عمر بن فرحات من عائلة غيث، قبيلة بريدان إحدى فروع قبيلة ألمنفه ، وأمه هي عائشة بنت محارب عام 1862 ، في قرية جنزور بمنطقة دفنة في هضبة المرماريكا في الجهات الشرقية من برقة ، وقد وافت المنية والده مختار بن عمر وهو في طريقه إلى مكة المكرمة بصحبة زوجته عائشة


تلقى عمر المختار تعليمه الأول في زاوية جنزور، ثم سافر إلى الجغبوب ليمكث فيها ثمانية أعوام للدراسة والتحصيل, وقد أظهر المختار من الصفات الخلقية السامية ما جعله محبوباً لدى الجميع وقد غادر عمر المختار الجغبوب إلى الكفرة سنة 1895.
شارك عمر المختار في الجهاد بين صفوف المجاهدين في مقاومة الغزو الفرنسي للمناطق الجنوبية للسودان الغربي (تشاد حاليا) وحول واداي. وقد استقر عمر المختار فترة من الزمن في قرو مناضلاً ومقاتلاً ، ثم عين شيخاً لزاوية (عين كلك) ليقضي فترة من حياته معلماً ومبشراً بالإسلام في تلك الأصقاع النائية ، وفي عام 1902عين شيخاً لزاوية القصور.

ولقد عاش عمر المختار حرب التحرير والجهاد منذ بدايتها يوماً بيوم ، فعندما أعلنت إيطاليا الحرب على تركيا في 29 من شهر الفاتح - سبتمبر 1911، وبدأت البارجات الحربية بصب قذائفها على مدن الساحل الليبي ، درنة وطرابلس ثم طبرق وبنغازي والخمس ، كان عمر المختار في تلك الأثناء مقيما في جالو بعد عودته من الكفرة ، وعندما علم بالغزو الإيطالي سارع إلى مراكز تجمع المجاهدين حيث ساهم في تأسيس دور بنينه وتنظيم حركة الجهاد والمقاومة ، وقد شهدت الفترة التي أعقبت انسحاب الأتراك من ليبيا سنة 1912م أعظم المعارك في تاريخ الجهاد الليبي ، أذكر منها على سبيل المثال معركة يوم الجمعة عند درنة في 16من شهر الماء - مايو 1913 حيث قتل فيها للأيطاليين عشرة ضباط وستين جنديا وأربعمائة فرد بين جريح ومفقود إلى جانب انسحاب الإيطاليين بلا نظام تاركين أسلحتهم ومؤنهم وذخائرهم ، ومعركة بو شمال عن عين ماره في 6 من شهر التمور - أكتوبر 1913، وعشرات المعارك الأخرى.


وحينما عين أميليو حاكماً لبرقة ، رأى أن يعمل على ثلاث محاور،الأول قطع الإمدادات القادمة من مصر والتصدي للمجاهدين في منطقة مرمريكا ، والثاني قتال المجاهدين في العرقوب وسلنطه والمخيلي ، والثالث قتال المجاهدين في مسوس واجدابيا.
ولكن القائد الإيطالي وجد نار المجاهدين في انتظاره في معارك أم شخنب وشليظيمة والزويتينة في شهر النوار - فبراير 1914، ولتتواصل حركة الجهاد بعد ذلك حتى وصلت إلى مرحلة جديدة بقدوم الحرب العالمية الأولى.

بعد الإنقلاب الفاشي في إيطاليا في شهر التمور - أكتوبر 1922، وبعد الإنتصار الذي تحقق في تلك الحرب إلى الجانب الذي انضمت إليه إيطاليا. تغيرت الأوضاع داخل ليبيا واشتدت الضغوط على المجاهدين .
فقام الجيش الإيطالي بحملة على مدينة اجدابيا ، وانسحاب المجاهدون من المدينة وأخذت إيطاليا تزحف بجيوشها من مناطق عدة نحو الجبل الأخضر، وفي تلك الأثناء تسابقت جموع المجاهدين إلى تشكيل الأدوار والإنضواء تحت قيادة عمر المختار، كما بادر الأهالي إلى إمداد المجاهدين بالمؤن والعتاد والسلاح ، وعندما ضاق الإيطاليون ذرعا من الهزيمة على يد المجاهدين ، أرادوا أن يمنعوا عنهم طريق الإمداد فسعوا إلى احتلال الجغبوب ووجهت إليها حملة كبيرة في 8 من شهر الحرث - فبراير 1926م وقد شكل سقوطها أعباء ومتاعب جديدة للمجاهدين وعلى رأسهم عمر المختار، ولكن الرجل حمل العبء كاملاً بعزم العظماء وتصميم الأبطال.

ولاحظ الإيطاليون أن الموقف يملي عليهم الإستيلاء على منطقة فزان لقطع الإمدادات على المجاهدين، فخرجت حملة في اي النار - يناير 1928، ولم تحقق غرضها في احتلال فزان بعد أن دفعت الثمن غاليا. ورغم حصار المجاهدين وانقطاعهم عن مراكز تموينهم ، إلا أن الأحداث لم تنل منهم وتثبط من عزمهم ، والدليل على ذلك معركة يوم 22 من شهر الطير- أبريل التي استمرت يومين كاملين ، انتصر فيها المجاهدون وغنموا عتادا كثيرا. وتوالت الإنتصارات, الأمر الذي دفع إيطاليا إلى إعادة النظر في خططها وإجراء تغييرات واسعة, فأمر موسوليني بتغيير القيادة العسكرية, حيث عين بادوليو حاكماً على ليبيا في اي النار - يناير 1929، ويعد هذا التغيير بداية المرحلة الحاسمة بين الطليان والمجاهدين.
تظاهر الحاكم الجديد لليبيا في رغبته للسلام لإيجاد الوقت اللازم لتنفيذ خططه وتغيير أسلوب القتال لدى جنوده ، وطلب مفاوضة عمر المختار، تلك المفاوضات التي بدأت في 20 من شهر الطير- أبريل 1929، وعندما وجد المختار أن تلك المافوضات تطلب منها مغادرة البلاد إلى الحجاز ومصر أو حتى البقاء في برقة والإستسلام مقابل الأموال والإغراءات ، رفض كل تلك العروض ، وكبطل شريف ومجاهد عظيم عمد إلى الإختيار الثالث وهو مواصلة الجهاد حتى النصر أو الشهادة.
تبين للمختار غدر الإيطاليين وخداعهم ، ففي 20من شهر التمور- أكتوبر 1929 وجه نداء إلى أبناء وطنه طالبهم فيه بالحرص واليقظة أما ألاعيب الغزاة. وصحت توقعات عمر المختار ، ففي 16 اي النار- يناير 1930 ألقت الطائرات بقذائفها على المجاهدين ،وقد دفعت مواقف المختار وانتصاراته إيطاليا إلى دراسة الموقف من جديد وتوصلت إلى تعيين غرسياني ليقوم بتنفيذ خطة إفناء وإبادة لم يسبق لها مثيل في التاريخ في وحشيتها وفظاعتها وعنفها وقد تمثلت في عدة إجراءات ذكرها في كتاب "برقة المهدأة":


قفل الحدود الليبية المصرية بالأسلاك الشائكة لمنع وصول المؤن والذخائر.
إنشاء المحكمة الطارئة في شهر الطير- أبريل 1930.
فتح أبواب السجون في كل مدينة وقرية ونصب المشانق في كل جهة.
تخصيص مواقع العقيلة والبريقة من صحراء غرب برقة البيضاء والمقرون وسلوق من أواسط برقة الحمراء لتكون مواقع الإعتقال والنفي والتشريد.
العمل على حصار المجاهدين في الجبل الأخضر واحتلال الكفرة.
إنتهت عمليات الإيطاليين في فزان بإحتلال مرزق وغات في شهري اي النار- يناير و النوار- فبراير 1930 ثم عمدوا إلى الإشباك مع المجاهدين في معارك فاصلة، وفي 26 من شهر هانيبال - أغسطس 1930 ألقت الطائرات الإيطالية حوالي نصف طن من القنابل على الجوف والتاج ، وفي شهر الحرث - نوفمبر اتفق بادوليو وغرسياني على خط الحملة من اجدابيا إلى جالو إلى بئر زيغن إلى الجوف ، وفي 28 اي النار- يناير 1931 سقطت الكفرة في أيدي الغزاة ، وكان لسقوط الكفرة آثار كبيرة على حركة الجهاد والمقاومة.


وفي 11 الفاتح - سبتمبر 1931 نشبت معركة عند بئر قندولة والوديان المجاورة استمرت يومين ، ووقع عمر المختار في الأسر ، ومن أسلنطة أرسل بحراسة قوية إلى مرسى سوسه حيث نقلته مراكب حربية في نفس اليوم إلى بنغازي. وصل غرسياني إلى بنغازي يوم 14 الفاتح - سبتمبر قادماً من روما عن طريق طرابلس ، وأعلن عن انعقاد "المحكمة الخاصة" يوم 15 الفاتح - سبتمبر 1931، وفي صبيحة ذلك اليوم وقبل المحاكمة رغب غرسياني في الحديث مع عمر المختار، يذكر غرسياني في كتابه (برقة المهدأة):

"وعندما حضر أمام مكتبي تهيأ لي أن أرى فيه شخصية آلاف المرابطين الذين التقيت بهم أثناء قيامي بالحروب الصحراوية. يداه مكبلتان بالسلاسل ، رغم الكسور والجروح التي أصيب بها أثناء المعركة ، وكان وجهه مضغوطا لأنه كان مغطيا رأسه (بالجرد) ويجر نفسه بصعوبة نظراً لتعبه أثناء السفر بالبحر، وبالإجمال يخيل لي أن الذي يقف أمامي رجل ليس كالرجال له منظره وهيبته رغم أنه يشعر بمرارة الأسر،ها هو واقف أمام مكتبي نسأله ويجيب بصوت هادئ وواضح." وكان أول سؤال وجهه له غرسياني لماذا حاربت بشدة متواصلة الحكومة الإيطالية؟" فكان ردّ عمر المختار "من أجل ديني ووطني."
ويستطرد غرسياني حديثه "وعندما وقف ليتهيأ للإنصراف كان جبينه وضاء كأن هالة من نور تحيط به فارتعش قلبي من جلالة الموقف أنا الذي خاض معارك الحروب العالمية والصحراوية ولقبت بأسد الصحراء. ورغم هذا فقد كانت شفتاي ترتعشان ولم أستطع أن أنطق بحرف واحد ، فانهيت المقابلة وأمرت بإرجاعه إلى السجن لتقديمه إلى المحاكمة في المساء ، وعند وقوفه حاول أن يمد يده لمصافحتي ولكنه لم يتمكن لأن يدين كانت مكبلة بالحديد."


انعقدت محاكمة عمر المختار وكانت المشنقة قد جهزت قبل انعقاد المحكمة ، ونفذ حكم الإعدام شنقاً في 16 الفاتح - سبتمبر 1931 في مدينة سلوق أمام جموع غفيرة من أبناء وطنه الليبيين. وسيظل المختار حيا أبدا في قلوب الشرفاء من هذه الأمة.