شخصيات إسلامية وطئت الأراضي الليبية

 

اعداد :دكتورة زينب كرير

جامعة السابع من أبريل الزاوية قسم التاريخ

من المعلوم لدينا أن حركة التدوين التاريخي عند العرب المسلمين لم يُبدأ بها إلاّ في أواخر العصر الأموي وأوائل العصر العباسي، أي في القرن الثاني الهجري.

وقد وَلّد ذلك التأخير مُشكلةً كبرى للباحث في التاريخ الإسلامي، لأنَّ الروايات ظلّتْ تُنقل مشافهةً طيلة القرن الأول الهجري، الأمر الذي أَفرز تضارباً وتعدداً حول الحقيقة التاريخية الواحدة... ولسنا هنا بصدد دراسة إشكالياتٍ بعينها لمعرفة خفاياها، وتسليط الضوء على المعتم من زواياها، إلاّ أن موضوع اليوم "شخصيات إسلامية وطأت الأراضي الليبية" يرتبط ارتباطاً وثيق الصلة بالفتوح الإسلامية في هذه البلاد، فرجال الَفتح قادوا جيوشهم بين الفيافي والقفار، والسهوب والسهول والسواحل والصحراء حاملين أرواحهم على أَكُفّهِم، لم يكن هدفهم الأول حينئذٍ تكوين دولة مترامية الأطراف غايتها إخضاع الأُمم وقهر الشعوب، إنما كان الفتح عمليةَ مدٍ عقائدي، حضاري، يرمي إلى إحداث تغيير جوهري في معتقدات الأهالي المتوارثة، يُبشر هذا التغيير بنظم جديدة تساوي بين الجميع في الحقوق والواجبات، تجعل التقوى هي معيار المفاضلة بين الحُرِّ والعبد، والأسود والأبيض.

وهذا ما لم تألفهُ شعوب المنطقة التي خضعت في السابق لسُلطات الأُمم الكبرى كالفينيقيين واليونان والرومان والبيزنطيين والوندال، فتذّوق الناس جور الظلم وطغيان الحُكّام الذين أَجبروا الأهالي على اعتقاد مذهبهم فاكتووا بنار فتن السياسة الدينية، توالي تلك الأمم من مختلف الأجناس والأديان جعل الأهالي بساحل الشمال الإفريقي مزيجاً من عناصر سُكّانية وفَدتْ من قارات العالم الثلاث القديمة، آسيا قَدِمَ منها الفينيقيين والقرطاجنيين واليهود، أوروبا جاءت منها جحافل الإغريق اليونان والرومان والوندال، ومن أفريقيا الزنوج والأقباط المصريين، وأفرز ذلك وجود ديانات وثنية ويهودية ومسيحية ذات مذاهب متنافرة مُتناخرة يُكّفر كل منها الآخر، بالإضافة لهذهِ الفُسيِفَساء العَقدّية وُجدت اللّغاتْ المتباينة واللهجات المتراطنة في مجتمع تنعدم فيه العقيدة السوّية التي تُشبع الفِكر والروح، حتى جاء الإسلام، الدَينْ الجديدْ الذي أخذت تتراجع أمامه رذائل الوثنية، وفوقية اليهودية ومُثل المسيحية التي حاولتْ جاليات بيزنطية غرسها في الأهالي، تراجع هؤلاء لأن الإسلام دين الفطِرة السوّية ليس فيه من تجسيد اليهودية، وتعقيدات نظرية التثليث عند النصارى الذين افتروا على عيسى المسيح وأمه عليهما السلام، دينٌ يحُرر السُكّان المحليين من المحتل الذي يَسلب الوطن خيره وطيبات رزقه، ويُهين المواطن على مرأىً ومسمع في شرفهِ وعرضهِ ... أمام ذلك اندمج الكُلّ في بوتقة واحدة كَوّنت معالم جديدة للمكان شعارها "لا إكراه في الدين" و " إنَّ أكرمكم عند الله اتقاكم".

وحتى نكون موضوعين وواقعين فيجب الإشارة إلى أن مرحلة الانصهار تلك أخذتْ حيزاً زمنياً لاستيعاب مبادئ الدين الجديد، فلاشك أن المقاومة حَصُلتْ على اختلا قوتها ومُدّتها، إلا أن القادة كانوا يُخيرون الناس بين الإسلام والجزية وأخيراً القتال، وكان الخيار لهم.

لقدْ لَفتَ أنظار المستشرقين ظاهرة اعتراف أهالي ليبيا بالإسلام في وقتٍ ليس بالطويل، فهذا المؤرخ أ.ن سكوت يقول:" إذا أردنا أن نفهم قوة الديانة المحمدية، وسر انتشارها ونموّها السريع في آسيا وأفريقيا، فإننا لابد أن نعلم أنّ دُعاة محمد - r - كانوا رسل للأمل والتحرير، ووسط الفساد السياسي الذي كان موجوداً قدّم الإسلام صورة للمجتمع الديني الذي يسوده الوئام... إنها عقيدة الرجل الساذج البسيط ذي الشخصية القوية، الرجل العادي الذي عجز عن فهم نظرية التثليث ووجد سهلاً أن يفهم عقيدة التوحيد الفطرية ".

والمستشرق غوستاف لوبون(1) يشير إلى دور سلوك قادة الفتح مع الأهالي، حيث لم يُكرهوا أحداً على اعتناق الدين الذي كانوا يرغبونه " ولو أنهم فعلوا لتألبتْ عليهم جميع الأمم التي لم تكن خاضعة لهم بعد ".

وإنْ كُنتُ اخترتُ عنوان موضوع اليوم "شخصيات إسلامية وطأت الأراضي الليبية" فليس معني هذا أنْ نَرُدَّ الفَضْلَ في هذه الفتوحات الكُبرى إلى أشخاصٍ بعينهم، فهذه الحركة العظيمة كان ورائها أمة ذات إيمانٍ عظيم، وقوة دافعة، صامدة في وجه قوى الظلم والطغيان.. .

ففي فتح ليبيا وما والاها برزت أسماء قادة اشتهروا بالحنكة السياسية والفروسية في ميدان الحرب، إلاّ أنه يجب الإشارة إلى أنَّ هناك الكثير من الشباب كانوا في فرِق الجيش، لهم نفس المَلكاتْ وأولها الحماسة للاشتراك في مدرسة الجهاد الإسلامي تحت إمرة القادة الكبار فيكتسبون مهارات السياسة وفنون الحرب والقيادة .

وكان من أشهر شخصيات الفتح التي قَدمتْ على أرض ليبيا، عمرو بن العاص بن وائل الذي يتسلسل نسبة إلى مصاف سادة قريش قبل الإٍسلام، كانت أمهُ سّبية بيعثْ في سوق عكاظ، ووهُبتْ من بعد للعاص بن وائل، ذكر ابن حجر(1) إنه يكبر عمر بن الخطّاب بسبع سنوات، توفي بعده بعشرين سنة، وقبل أنه توفي عن عمرٍ يناهز التسعين عاماً، وهذا العمر الطويل قضاه فتياً مفتخراً بنسبهِ وشخصهِ، كان ميالاً إلى الزعامة منذ صغره، له طموحات قيادية بين أهله وذويه، شديد الدهاء والفطنة، والدليل على ذلك أنه كان ضمن الوفد الذي لحق بالمسلمين المهاجرين للحبشة، وظل على ظلاله إلى أن هداه الله للإيمان في السنة 8هـ، فجاء يُعلن إسلامه على الرسول بالمدينة ويُبايعة على نصرة الإسلام، وفعلاً كان له تاريخ في النُصرة، فمن الجزيرة إلى الشام ففلسطين ومصر إلى برقة وطرابلس ... بمعني أن لعمرو بن العاص الفضل في مدِّ حدود دولة الإسلام نحو 2500 ك م غرباً، ووصل جنوباً إلى أقصى حدود فزان، أي ما لا يقل عن 800 ك م إلى الجنوب (2).

تلك البطولات كانت بفضل تلك المهارة، والتي أشاد بها يوماً الخليفة عمر الفاروق، فقد رُوي إنه كان مُعْجَباً بمواهبه تلك، فلمَّا سمع بأن قائداً فذاً سيقود جُند الروم في أجنادين (*) يُدعي "أرطبون" فقال الخليفة: " لقد رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب " يقصد عمرو، وكان له النصر فعلاً على ذاك القائد الرومي، ولاحقه حتى قتله. ويُرجع إليه المؤرخون الفضل لانتصار معاوية على علي بن أبي طالب في واقعة التحكيم، وكانت مكافأته ولايته لمصر أيام معاوية (3).

وهيأت الأقدار لعمرو أن يكون له باع طويل في ميدان الحرب، لإعلاء كلمة الله بأرض ليبيا، وكانت البداية ببرقة التي كانت بؤرة الوجود الروماني بالساحل الليبي الذي نُصّر أهله، واستغلّت أرضه، ومن لم يُرضِه ذُلَّهمْ هاجر في أرضه طريداً شريداً بعيداً عن حواضر المدن حَفاظاً على الحرية والأمان، إلى أن جَاء المسلمين بزعامة عمرو بن العاص إلى برقة عام 22هـ - 412م، حيث تتفق الروايات أن القائد عمرو تفاوض مع أهلها من بربر لواتة واتفقوا على اعترافهم بسلطة المسلمين على المنطقة، ودفعهم لجزية مقدارها 13 ألف دينار، وأن يُسمح لهم ببيع من أرادوا من أبنائهم لدفع جزيتهم واشترطوا أن يقوموا هم بحمل الجزية إلى مصر، ولا يدخلهم جابي (1).

وقد حلّل المؤرخ الفاضل، المرحوم: محمد مصطفى بازامه(2) هذه الشروط بكثير من العقلانية والموضوعية، ويكفي القول أن شرط بيع الأولاد لم فعهده من شروط الصلح لدي المسلمين في أي معركة سابقة، بمعنى أن البربر هم من اقترح هذا الشرط، ولعل هذه السابقة كانت من سياسة الروم المحتلين الذين مارسوا على الأهل ضغوطات لدفع الأتاوة بأي وسيلة، ولو كانت ببيع فلذات أكبادهم، وما نعتقد أن عمراً اشترطه هو القيمة المالية المقدرة بـ "دينار على كل حالم " على حدّ ذكر ابن عذارى(3)، في حين نجد إشارة للحموي(4) على أن أغلب أهالي برقة أسلموا " فصولحوا على العُشر ونصف العشر" بمعنى أنَّ الجزية كانت على أهل الذمة الذين كانوا من الأغلبية المسيحية.

وبعد الخطوة الأولى أستشير الخليفة في أمر طرابلس التي تُعدّ هي الأخرى حاضرة بيزنطية وميناء بحري هام، فسار عمرو بجنده من برقة إلى طرابلس مروراً بسرت ولبدة التي كانت خَربة يعيش فيها خليط من الروم والبربر، وعلى مشارف طرابلس عسكر عمراً بجنده على الشرفة أي "الأرض المرتفعة" الواقعة شرق طرابلس في موقع سيدي الشعاب حالياً، ولمّا كان سور المدينة حصين قرّر المسلمون محاصرة المدينة، ولكنَّ المحاصرة لم تكن لتؤثر في أهلها ما دامت الإمدادات تَصِلهُمْ من البحر، إذاً هناك مشكلة، ولابد من الترصّد لها؟ والحل كما ترويه المصادر جاء بطريق الصدفة لجماعة من الصيادين الذين اكتشفوا وجود طريق بري سّببهُ انحسار الجزر لدرجة تمكنوا من اقتحام المدينة ظهراً فهللّوا وكّبروا وأحدثوا رُعباً بتلك المفاجأة بين الروم الذين ما إنْ رأووا دخول المسلمين عليهم من كل صوب حتى فرّوا على مراكبهم ليمخروا عُباب البحر طلباً للنجاة، مهماً كانت الظروف التي اتيحت للمسلمين حقيقية، أم من نسيج الخيال، الأهم هو النتيجة، فطرابلس أصبحت تحت إمرة عمرو بن العاص الذي ما إنْ استقامت له الأمور مع متساكنيها حتى شرع بأهم خطوة بعد الفتح وهي بناء مسجد عُرف بإسمه فيما بعد أمام " باب هوّاره" (5) كما أسس مسجداً آخر بمدينة " زنزور" وكان المسجد إذ ذاك يُعدَّ مركزاً علمياً، دينياً، يُتعلم فيه القرآن والكتابة والحساب أيضاً، ناهيك عن أمور الفقه والدين، بذلك كان عمرو قدوة لغيره ممن جاء بعده، فتنافس الكل لأجل بناء مساجد التقوى مما كان له انعكاس على حركة تعريب المنطقة وأسلمتها(1).

ويبدو أن عمراً لم يشعر بالارتياح بعد فتحه لطرابلس، لأنَّه على مقربة من طرابلس كانت " صبراته " إلى الغرب منها، حيث تُعدّ أحد معاقل الروم الحصينة، فخوفاً من أي مفاجآت بعث عمرو بعبد الله بن الزبير على رأس حامية عسكرية لمراقبة المكان واقتناص الفرصة إنْ واتتْ، ولمّا فتح الأهالي الأبواب لخروج ماشيتهم واتت الفرصة للانقضاض على المدينة، وتم النصر(2)، ورُفعت راية الإسلام على كنائس النصارى، وأرسل عبد الله إلى عمرو يُعلمه بالأمر، فركب عمرو متجهاً إلى صبراته فلمّا عاينها أمر بتخريب أسوارها كي لا تُشِغلَّ ثانية.

واستكمالاً لخطى الفتح سار عمرو بجيشه نحو حاضرة جبل نفوسة "سروس"(3) التي كانت معقلاً للبربر الثائرين على أي وجود خارجي، أثناء ذلك وردت أخبار عن تربص الروم بالإسكندرية، وأنهم يوشك أن ينقضوا الصلح الذي بينهما، فعاد أدراجه على عجلة من أمره، تلك العودة السريعة كانت سبباً في تدبير الأهالي الطرابلسيين والروم الأفارقة بها أمر نقض الصلح، خصوصاً وأن المشرق الإسلامي انشغل بمؤامرة مقتل الخليفة الثاني، ذلك الأنشغال دام لأكثر من خمس سنوات عن الفتح، على الرغم من أن الفتح الإسلامي استغرق الثلاث سنوات الأخيرة من خلافة عمر (21- 23هـ) وليس معني هذا عدم وجود إسلامي نهائياً بالمنطقة، لأنَّ القائد عمرو ترك حامية في سرت بقيادة بُسر بن أبي أرطأة، وفي برقة ترك نيابة عنه القائد المتميز عمّن معه، عقبة بن نافع بن عبد القيس... بن عامر بن أمية الفهري تختلف شخصية هذا القائد عن بقية الشخصيات التي اشتهرت إبَّان حركة الفتوح بأنها فضلاً عن مهارتها الحربية كانت لها اتجاهات دينية، وليس هذا طعناً في قياديي الجيش، وإنما عقبة وصفته المصادر والمراجع بالرجل ذو " النزعة الصوفية "، وهو ما جعل أهالي المنطقة المغاربية يتبركون بدعواته حيث عُرف عنه أنه مُستجاب الدعوة (4)، ويروي ابن حجر أنه لما قدمَ القيروان أشار عليه رفاقه في الجيش أن يُحرّق الغابة وما حولها، فرفض عقبة لأنها غابات ملئ بالهوام والدواب والوحوش الساكنة، وقال: " إن أحرقها بالنار يُحاسبني الله – عزّ وجلّ- عليها " وانتظر حتى آخر النهار فنادى بأعلى صوته:" يا أهل هذا الوادي، إنّا حالّون فيه إنشاء الله فاظعنوا ثلاثاً "(1). فما وُجد حجراً ولا شجر إلاّ يخرج من تحته دابة، ورفعتْ الوحوش أولادها في أفواهها من غزلان وذئاب ونمور، وتركهم ثلاث أيام لم يكن دأب المسلمين آنذاك والأهالي إلا الفرجة، وبعدها أحرق الأشجار وبنى القيروان(2)...وحينما تعرّف البربر إلى طبيعة شخصيته، ولمسوا سماحة الدين دخلوا في الإسلام الذي كان رسالته الأولى بعد الفتح، فترك في نفوس الناس آثار عميقة، لأنه لم يكن يهتم بالمناصب العليا على النطاق السياسي أو الإداري، ولا يسعى لكسب أي امتيازات مادية من وراء ذلك، وإليه يرجع الفضل في إنشاء أول رباط في أطراف المغرب الأقصى على ساحل المحيط، فكان له رفيق ديِّن حَسنْ الخُلق يُدعي "شاكر" أمره أن يُعلّم الناس الإسلام، فكان مَقصّداً لمن يريد التعرّف على كُنه الدعوة الإسلامية الجديدة عليهم.

وتجدر الإشارة إلى ارتباط اسم عقبة بن نافع بالقائد عمرو بن العاص في حركة المدّ الإسلامي نحو الشمال الأفريقي ابتداءً من برقة، فبعض المصادر(3) تذكر أن عقبة ابن خالة عمرو بن العاص، في حين أنّ ابن حزم(4)، يذكر أن عقبة أخو عمرو بن العاص لأمه، ويذكره البعض (5) على أنه ابن أخت عمرو، المهم إنهما ترافقاً، وكان لكلّ منهما بصماته التي لا يمكن أن تُمحى على جدران تاريخ ليبيا الإسلامي.

والإشكالية هي اختلاف مصادر التاريخ الإسلامي حول أسبقية القدوم لليبيا، هل كانت لعمرو بن العاص؟ أم لعقبة بن نافع؟ أم أن الثاني بعثه الأول بحكم أنّ عمراً كان والياً على مصر، وبرقة تتبع إدارياً لها؟ وكان يجب إخضاع المنطقة للمسلمين كضرورة مُلّحة لحمايتهم من أي غزو أو غارة بيزنطية، ومن ناحية أخرى هي خطوة نحو تهيئة البلاد للدين الإسلامي ومبادئه السمحة .

وبخصوص إشكالية الأسبقية نجد ابن الأثير(6) وابن عذاري وابن أبي دينار يُجمعوا بالقول أن عمراً وجّه عقبة إلى برقة وهو بمصر، فأتم الفتح إلى زويلة. مع الاختلاف في التأريخ للحملات العسكرية من سنة 20هـ إلى 22هـ. إلا أن الطبري واليعقوبي والبكري وياقوت وابن الأثير يتفقون على نسبة الفتح إلى عمرو بن العاص، وأنه حينئذ وجّه عقبة إلى دواخل الأقاليم الليبية بعدما أتم ابن العاص الصُلح مع أهل برقة، وهذه السياسة من باب التأمينات ضد أي مفاجآت، كما حدث عندما بُعث عقبة وعمرو والياً على مصر على رأٍس حملة إلى النوبة (*). عام 21 هـ حتى تستشعر المنطقة بأس المسلمين، وفي ذات الوقت يُؤمّن القادة الحدود الجنوبية لمصر.

وعلى ما يبدو من الروايات أنَّ القائدان عمرو وعقبة ترافقا من برقة حتى إجدابيا(*) التي فُتحت صلحاً على خمسة آلاف دينار(1) وعندها افترقا ليتخذ عقبة طريقهُ نحو الجنوب الغربي حتى بلغ زويلة فطاعت له، وفرض على أهلها ثلاثمائة رأس من الرقيق.

وهنا وضعني أحد المؤرخين(2) في إشكالية هامة حينما نجده يؤكد أنَّ فتح الدواخل من الأرض الليبية لم يكن على يد عقبة، بل على يد والده نافع بن عبد القيس الفهري، زوج أخت عمرو بن العاص، معللاً ذلك بصغر سن عقبة في ذلك الوقت، والتي لم تكن تتعدى الثالثة عشر أو الرابعة عشر.

وفي محاولة مني لإثبات الحقيقة لم أعثر على معلومات تخص والد عقبة، اللهم إلاَّ ما ذكره ابن حجر (3)من أن والده كان تُوفى قبيل الفتح، مما يشكك في ما قطع به المؤرخ السابق الذكر.

ولأنّ الفضل يجب أن يُنسب لأهله، فلعقبة بن نافع يُدين الإسلام بنشره في المناطق النائية من صحراء ليبيا، ومنها للأفارقة السود الذين كانوا يعمهون في غياهب الضلالة والوثنية .

وتجدر الإشارة لدور الساعد الأيمن لعقبة بتلك الفيافي آلا وهو بُسر بن أبي أرطأة، الذي يُنسب إليه فتح ودان(*)23هـ وفرض عليهم ثلاثمائة وستون رأس من الرقيق (4)، وفي هذه الزاوية نلاحظ الاختصار الشديد للروايات التاريخية دون ذكر لأي تفصيلات التي تقتضيها المرحلة، لأن بُسر قَدمَ مع عمرو وعقبة من برقة في اتجاه الغرب، بمعنى أنه قبل افتراقه عن القائد الأول عمرو كانوا بالضرورة مّروا على مناطق ساحلية عدّة، والتي بدون شك كانت مأهولة، والتي لا يمكن التوجه إلى ما بعدها حتى يُعّاهدوا على الجزية أو الإسلام أو القتال... ولكن لا ذكر لذلك ولا خبر، ويمكننا أن نفهم أن الأمور كانت تسير لصالح المسلمين ودون عراقيل تستحق الذكر ... المهم أن بُسر بعدما استولي على ودان تشجع ليضم إليه " واحة هون وسوكنه" والتي كانت تعيش حولها مملكة نصرانية تدعى " مملكة مزّاته" والتي يبدو أنها من أصول بربرية، وخضعت المنطقة للمسلمين بحكم الأمر الواقع، إلا أنهم ارتدوا بمجرد خروج جيش بُسر عنهم، ونقضوا مواثيقهم مع المسلمين، وظلوا كذلك إلى وقت متأخر حتى مقدم عقبة عليهم عام، تسعة وأربعين للهجرة أيام الخليفة معاوية بن أبي سفيان، حيث استقر عقبة بمنطقة تسمى " مغمداس" غرب سرت، وترك الجيش في عُهده زهير بن قيس واتجه هو نحو تلك الواحات التي ظلت على تمردها، فقبض على ملكها، وقطع أذنه معاقبة له عدم السمع والطاعة (1)، وغرّمهم ما كان فرضه عليهم بُسر، واتجه من بعد نحو جرمه(*) بفزان فأخضعها ودانت له المنطقة، وكان الأمر قد استغرق منه خمسة أشهر ليرجع بعدها إلى سرت فيضم الجيش تحت إمرته، ويسلك طريقه نحو الغرب في اتجاه جبل نفوسة من الجنوب ليقطع على البيزنطيين أي محاولة للإغارة على المسلمين وكان ذلك الطريق مشجعاً على ضم غدامس(*) للنطاق الإسلامي. وعلى ما يبدو من روايات الفتح أنَّ بُسر بن أبي أرطأة لازال موجوداً بين أمراء الجيش، فنجد في المؤنس (2) ذكر أن عمرو بن العاص أوكل إلى بُسر فتح ودان ومن بعدها جبل نفوسة .

وإذا القينا نظرة على امتداد الفتح الإسلامي في أنحاء متفرقة من ليبيا يمكننا الوقوف على حقيقة هامة عندئذٍ وهي أن ليبيا أصبحت قاعدة للجيوش الإسلامية تنطلق منها لتحقيق أهدافها في الأرض المغاربية، ومن ناحية أخرى كانت موطئ قدم في حالة تعرّض الجيش الإسلامي لأية مفاجآت قد تضطره للانسحاب، فتكون أرض ليبيا مركزاً لإعادة التنظيم والتخطيط لتجنب الهزائم وتحقيق مزيداً من الانتصارات .

هذه الانتصارات التي برز فيها اسم عقبة كواحد من أعلام الفتح، والذي لازم المغرب منذ أن دخله في العشرين الهجرية حتى ولاية معاوية عام 40هـ وليعُدْ بعدها يصول ويجول رغم ما تعرض له من مهانة على يدِ أفرادٍ لهم طموحات فردية ومادية – فواصل فتحه متغمداً سيفه حتى أقحم فرسُه في ماء المحيط مُشهداً الله تعالى أنه لو امتدت اليابسة أمامه لخاضها بفرسه في سبيل الله (3).

وكانت المفاجأة بموته على يد ثوار البربر وأعوانهم الروم الأفارقة الذين كمنوا له بتهودة بالمغرب الأوسط، وكان قد فرّق جيشه ليعودوا لأهاليهم وذويهم بالقيروان بعد غياب طويل، وقٌدّر له الشهادة عام (64هـ / 684م)، لتضم تلك الأرض رُفاته الطاهر الذي لازال مزاراً إلى اليوم لكثير من الناس.

وممنْ صال وجال بالأرض الليبية عبد الله بن سعد بن أبي سرح بن الحارث.. القرشي، كُنيته أبو يحيي، أخو عثمان بن عفان من الرضاع لأمّه الأشعرية مُهابة بنت جابر(1).

أسلم بمكة قبل الهجرة، وهاجر مع المسلمين إلى المدينة، كان من كتبة الوحي لرسول الله - r - إلا إنه استزّله الشيطان فغيّر بعض آيات الوحي، وعاد إلى مكة مُعلناً ارتداده عن الإسلام، وطعن في النبي الكريم، فهدر النبي دمه ولم يعفه النبي يوم الفتح الأكبر لمكة 8هـ مع ثلاثة رجال وامرأتين، وطمعاً في أن يشمله عفو النبي لأهل مكة التجأ إلى أخيه عثمان بن عفان ليحتمي به، فقدم به على الرسول الكريم الذي عفا عنه أمام إلحاح عثمان (2) ولكن على مضض، فبايعه وكانت هذه المبايعة قد جَبّتْ ما قبلها، فتح عبد الله بعدها صفحة ناصعة البياض في تاريخ إسلامه، فقد ذكرتْ المصادر حُسن سيرته وبلاءه الحَسنْ في ساحة الوغى، وأشهرها في فتح مصر.

تولي مصر على أيام خلافة عثمان(3) بعد عزل عمرو بن العاص عنها عام 25هـ، وكان له قيادة الحملة الأولى المتوجهة نحو أفريقية، فكان يبعث بالسرايا الاستكشافية للمنطقة الليبية تمهيداً لقدومه على رأس جيشه، وكانت تلك الدوريات تأتي بالأخبار المشجعة على الإقدام وكسر التردد، لذلك استنفر الخليفة شُبّان الحجاز وكُهّالهم ليسيحوا في الأرض لرفعة كلمة الله، فقدموا فُرادى وجماعات، وكان عبد الله في انتظارهم ببرقة، وهذه الغزوة هي ما عُرف بغزوة العبادلة (4) 27هـ، وقد تشرّفتْ الأرض الليبية بوطء أقدامهم لأرضها لأنهم كانوا من الصحابة وأبناء الصحابة والتابعين. والغزوة عُرفت بهذا الاسم لاشتراك نخبة من هؤلاء الشُبّان فيها تبدأ أسماؤهم "يعبد الله" وهم :

عبد الله بن العباس- عبد الله بن جعفر – عبد الله بن الزبير – عبد الله بن مسعود – عبد الله بن عمر بن الخطاب – عبد الله بن عمرو بن العاص – معبد بن العباس – عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق – عبد الرحمن بن زيد بن عمر – عبد الملك بن مروان – ومروان بن الحكم، وهؤلاء بإمرة عبد الله بن أبي سرح برفقة عقبة بن نافع وكان إجمالي ذلك الجيش بوصف المصادر لا يقل عن 20 ألف مقاتل(1).

وكانت برقة نقطة الانطلاق نحو الغرب حيث تأهبَّ "جرجوريوس" لردع قوات المسلمين القادمة إليه وكان مقرّهُ بِسُبيطله (*) Suffetula قرب موقع القيراون، فعسكر الجند المسلمين قريباً منه، وكان اللقاء الحاسم لابد أن يتم، فكانت معركة حامية الوطيس التحم فيها الروم الأفارقة والروم البيزنطيين والبربر مع فرسان المسلمين، ورغم الكثرة العــددية لجند " جبرجير" كما وصفته المصادر العربية (3). إلا إنه طلب الصلح عندما أحسَّ أن النهاية ستكون في غير صالحه، لذلك تم الصُلح بدفعهِ لآلاف مؤلفة ثمناً لسلامته وجنده، وعاد جيش العبادلة بغنائمه إلى برقة ومن بعد إلى مصر أوائل عام 28 للهجرة .

إنَّ ما يُفهم من أخبار الفتح آنذاك أنّ عبد الله ابن أبي سرح لم يترك حامية أو يتخذ إجراء يكفل الحفاظ على الموقع لصالح المسلمين، ولكنهُ من ناحية أخرى نحي بالفتح منحيً أخر من مصر، فاتجه عام 31هـ إلى السودان الشمالي حيث بلاد النوبة فانتصر عليهم في موقعة " دنقلة" واضطرهم إلى الاعتراف بسيادة الإسلام في معاهدة عُقدت معهم عُرفـت باسم " البُقَطْ" (4) كان نتيجتها أنْ جُعلتْ النوبة الشمالية بلاداً داخله في طاعة العرب المسلمين لقرون طويلة الأمر الذي أدي إلى معرفة أهالي المنطقة للإسلام ومبادئه السَمحة وبالتالي اعتناقهم له.

ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن المسلمين عاودوا الهجوم على إفريقية في حدود السنة التاسعة والعشرين للهجرة، وكان الباعث على ذلك هو نقض جرجير عهده مع عبد الله بن أبي سرح، فأمر الخليفة عثمان أخيه أن يُعيدْ الكَرّه ثانية، فحشد جرجير جيشاً ضخماً بلغ تعداده حوالي مائة وعشرين ألفاً، وبرغم استعداد "جرجير" للقتال، إلا أن الله ثبت رجاله، وتمكن عبد الله بن الزبير (5) من قتل "جرجير" وبث الرعب بذلك في أتباعه فتفرقوا لتصبح "سُبيطلة" موقعاً إسلامياً بإفريقية، وجاء زعماء القُرى من حولها منقادين لحكم أمراء المسلمين، فعقدوا الصلح على تركهم وشأنهم مقابل " ثلاثمائة ألف قنطار من الذهب " (6). مع ما أصابه المسلمين من غنائم وفيرة بالمعركة لدرجة أن عبد الله بن أبي سرح بعث إلى الخليفة بخبر النصر، وطَلَبَ أن تُوافيهِ المراكب بطرابلس لتُحمل فيها الغنائم الوفيرة إلى دار الخلافة (7).

والجدير بالذكر أن خُمس تلك الغنائم تركها الخليفة عثمان بن عفان تحت تصرف مروان بن الحكم والذي بدوره خصَّ بها أهله وذويه دون عامة المسلمين، مما كان أحد أسباب النقمة على الخليفة عثمان، وبالتالي الثورة عليه.

وبرغم تأجج نار الفتنة بمقتل الخليفة الثالث 35هـ، إلا أن الأقاليم الليبية ظلّت مسالمة، فبرقة التزمت ما عاهدتْ عليه المسلمين، في الوقت الذي كان الروم الأفارقة بطرابلس والروم البيزنطيين يتأهبون لاقتناص أي فرصة للارتداد عَمّا صُولحوا عليه، إلا أن قادة الفتح كانوا لا يكترثون بتلك الطموحات، لأنهم كانوا يعلمون أنَّ تكريس الوجود الإسلامي بإفريقية سيمنع أي محاولة للانفراد بطرابلس.

وبالنسبة لابن أبي سرح فقد أوردت الروايات(1) اعتزاله الفتنة، فلم يتحزب لأحد، بل غادر مصر إلى عسقلان حيث اختفت أخباره نحو عام 36هـ، وقيل إنه غادر فلسطين سّراً لأنه كان مطلوب لكونه أخو الخليفة المقتول، ولذلك فضّل العودة إلى برقة البعيدة عن ذلك الجو المضطرب، ولعلمه بالأقاليم الليبية حّبذ العُزلة بأرض " واحة أوجلة" وربما هذا ما دعا ببعض المؤرخين للقول بأنه توفى بإفريقية (2) والذي يجعلنا نميل لذلك هو الضريح المنسوب إليه بتلك الواحة الهادئة المنزوية عن شغب السياسة والفتن .

وبعد مقتل الخليفة عثمان 35هـ وتأَزّم حال المسلمين بين فريق معاوية بن أبي سفيان وفريق علي بن أبي طالب، انقطعت البعوث العسكرية طيلة عشر سنوات اغتنمها بربر إفريقية ليعودوا كما كانوا ، إلاّ أن الملفت أن كثيراً من مسلمي البربر ثبتوا على إسلامهم فكانوا اللبنة الأولى لبناء صرح الإسلام هناك.

 

وبعد أن وطد معاوية أمره، واستتب الأمن خلال سنوات حكمه الأربع الأولى تطلع إلى الشمال الأفريقي، فنجد المقريزي (3) يشير إلى والي مصر عمرو بن العاص يعقد لعقبة على غزو قبيلة "هوّاره" بسرت وما والاها جنوباً، في حين كّلَّف شُريك بن سِميّ المرادى للسير نحو لبدة، ولعلّ ذلك كان تمهيداً لإرسال حملة كبرى عام خمس وأربعون مُكونة من عشرة آلاف مُقاتل كانت قِبلتها الرئيسية "إفريقية".

في هذه الأثناء نجد الروايات تُخبرنا عن صحابي جليل وكل إليه أمر طرابلس وهو "رُويفع بن ثابت الأنصاري"(4) ليصبح والياً عليها عام 46هـ.

ولم يكتفِ هذا الأمير بالإشراف الأمني على المنطقة، بل اتخذها مركزاً لاستئناف عملياته الحربية إلى النواحي الغربية منها، فوّجه حملته نحو " جزيرة جربة" عام 47هـ، وكانت النتيجة برفع راية الإسلام عليها ... .

ويبدو أن هذا الصحابي عاد أدراجه من طرابلس إلى برقة، ولعلّهُ أُمّرَ عليها حتى توفي بها عام 56هـ، ولازال ضريحه إلى اليوم بمدينة البيضاء (1) يؤمه كثيراً من الزوّار شاهداً على تشرّف البلاد الليبية بمثل هؤلاء الصحابة الأخيار .

ومن جملة من استقر ببرقة منذ أيام الفتح الأولى القائد الفارس " زهير بن قيس البلوي" المُكنَّى بأبي شدّاد(2)، وكان زهير رفيقاً للقائد الفذ عقبة بن نافع، وقَدِمَ معه إلى إفريقية حين أسّس القيروان، إلا أنه فوجئ يخبر ترصد البربر لعقبة وقتله، فلم يجد زهير بُدّاً من الانسحاب هو ومن معه إلى برقة، في حين ظلت إعداد كبيرة من مسلمي البربر وبعض العرب المسلمين مستقرين بالقيروان تحت حكم كُسيلة الذي انتقم لنفسه من عقبة، إلا أنه ظل على إسلامه يحكم القيروان حتى عام 69هـ/668م.

وبرغم أن إفريقية تعتبر ضاعت من أيدي العرب المسلمين بعد فتوح عديدة امتدت من 27هـ إلى 65هـ، أي في حدود من أربعين عاماً، بعد كل تلك التضحيات استأثر بها كُسيلة طيلة خمسة أعوام، إلاّ أنها بقيت إسلامية بإسلام حاكمها الثائر على الحكم الأموي.. .

وكان المشرق الإسلامي يَعّجُ بالظروف المتأزمّة، نتيجة وفاة الخليفة يزيد، وثورة أبناء الزبير، " مصعب وعبد الله" على خَلَفهِ مروان بن الحكم، وبعد القضاء على تلك الثورة التي استغرقت الجهد والوقت، توفى مروان ليخلفه ابنه عبد الملك الذي كان له مؤهلات يختلف بها عمّن سبقه، وبعد أن استقر بأمور البلاد، كان زهير بن قيس خليفة لعقبة ببرقة، وكان يستصرخ الخليفة ويستحثه على إنقاذ الإسلام والمسلمين بإفريقية، وأخيراً استقر رأي الخليفة على إرسال قوة عسكرية تكون لزهير الإمرة عليها، لأن مرافقته لعقبة كَوّنت عنده علم بمدرسة القيادة وفنون الحرب، وهو دون شك على علم بدواخل وسواحل البلاد الليبية حتى إفريقية أفضل من غيره لطيلة بقاءه بها، واندفع زهير بجيشه تُلهبه الحماسة للانتقام لقائده عقبة وما أسّسه هناك لإعلاء كلمة الله، وكان اللقاء الذي دارتْ رحاه في الجنوب الشرقي من جبل الأوراس بالمغرب الأوسط عام 69هــ، فقُتل كُسيلة وَأعوانه، وتفرّق جمعهم وكان النصر للمسلمين ... وما كاد زهير يتنفس الصُعداء حتى وصلتهُ أخبار عن قدوم مراكب للروم نحو الساحل الشرقي لليبيا وإنهم قد تحصنوا بدرنة وتربصوا بالمسلمين في برقة، فاستعجل بالرجوع، وكان الجيش متفرق ومُثقل بحمل غنائم الحرب، فتقدّم زهير عنهم برفقة سبعين من رجاله، ورأى نفراً من جماعته الروم يَقُودون المسلمين إلى المراكب قهراً، فاستثار المنظر الحميّة فيهم فاندفعوا دون استشارة قائدهم الذي لم يجد بُدّاً من الاشتراك في المبارزة دفاعاً عن أصحابه الذين انخرطوا في معركة غير متكافئة، ولكّن قدرْ الله سابق بأن يستشهد زهير هر ومن معه على الساحل الليبي عام 70هـ ليضم ثرى مدينة درنة جثمانه الطاهر هو وبقية الفرسان الشرفاء (1).

ولعلّ هذه الحادثة تدلّ على أن الروم البيزنطيين لم يفقدوا الأمل في استعادة الإقليم الشرقي من الساحل الليبي الذي لطالماً مثّل مجداً تليداً لآبائهم وأجدادهم الأول. وبعد زهـير – رحمه الله- قرر الخليفة إرسال قوة كبيرة لا تقلُّ عن 40 ألف مقاتل بزعامة حسّان بن النعمان الذي دخل برقة بجيش " لم يدخلها قط جيش مثله"(2) وسار ذلك الجيش حتى وصل طرابلس فانضم إليه المسلمين من العرب والبربر.

وتجدر الإشارة إلى أن القيادة لطلائع الجيش أوكلتْ إلى زعيم بربري يُدعى " هلال بن ثروان اللواتي" وكانت هذه سابقة لم يُعهد بها من قبل، ولها دلالتها التي توحي باطمئنان مسلمي البربر للمسلمين العرب والعكس، وهذا ما ولّد الإخلاص للعقيدة لدرجة التضحية جنباً إلى جنب.

وتجدر الإشارة إلى أنّ حَسّان بن النعمان لم يلق أية مقاومة تذكر طيلة مروره بالأرض الليبية الأمر الذي يعني انضواءها تحت راية المسلمين، وأنها حُرّرت من التبعية البيزنطية، ومن الثورات البربرية، والتي على ما يبدو انسحبت أمام المدّ الإسلامي إلى جبل أوراس تحت زعامة الكاهنة التي رفعت لواء الحرب على الإسلام واستنفرت قُواها للوقوف ضد حسان وجنده، واستطاعت دحر قُوى المسلمين عام 76هـ في معركة شرسة لينسحب الجيش الإسلامي أمامها إلى طرابلس فسرت، والتي ظل حسّان مُقيماً بها طيلة خمس سنوات ينتظر الدعم والمدد من الخليفة، وترك بالمنطقة مَعْلَماً لازال إلى اليوم يُعرف باسمه "قصور حسان"(3) .وهكذا ضاعت إفريقية من أيدي المسلمين للمرة الثالثة في نحو عشر سنوات، وانشغلت دار الخلافة بثورات الخوارج وما ألم بالشام من الأوبئة عام 79هـ حتى عام 81هـ حينها وصلت الإمدادات ليكون اللقاء الحاسم عام 82هـ والذي قضى بموت الكاهنة وتدمير الميناء الروماني الشهير " قرطاجنة" بأمر حسان ليؤسس بدله " مدينة تونس" الإسلامية، وأراد تلافي أحد أسباب الهزيمة للمسلمين بأن أحضر معه ألف أسرة قبطية من الإسكندرية كان لهم دراية بأمور بناء السفن، ولذلك قرّر القائد حسّان إنشاء دار للسفن بتونس لتكون خطوة جريئة لتكوين أسطول إسلامي يَمخَرُ عباب البحر، ويقضي على أية محاولة روميه بيزنطية للعودة إلى الساحل الشمالي لأفريقيا.

وتحت تأثير النزعة الفردية وحُبَّ الثروات التي تميّز بها عبــد العزيز بن مروان – والي مصر – نشأ خلاف بينه وبين حسّان، ولم تُقدّر جهوده تلك بإرساء دعائم إدارة إسلامية جديدة ومتطورة بإفريقية، الأمر الذي انتهى بعُزلته، وقَسمَهِ إلاّ يلي لبني أمية أمراً، وكان ذلك عام 86هـ، وليأتي دور موسى بن نصير من بعده ليرفع كلمة الله أكبر إلى ما بعد المحيط بفضل سياسته الذكية باستقطاب رؤساء أهليين لهم الكلمة على من تحتهم، ولتكن تلك بذرة المجد الإسلامي فيما وراء البحار بزعامة طارق بن زياد وأعوانه الذين لهم الفضل في أن يكون للعرب المسلمين الفردوس الأخضر آلا وهو " الأندلس " .

الخلاصة:

من خلال ما تَقدّم نلمس المحاولات الجادة التي أخذت حيّزاً زمنياً ليس بالقصير لهؤلاء الأعلام الذين رفعوا السيف باليد وعلّموا الدين باللسان، إن النتيجة الحيِّة التي نلمسها خلال تلك السنون هي تعريب المنطقة تدريجياً، فالإسلام والعروبة تلازما، وكانت المُحصّلة هي التحوّل الخطير الذي شهدته المنطقة... وهذا لم يكن بالشيء السهل بالنسبة للسكان القاطنين تلك الأقاليم فالقوانين العُرفية التقليدية ظلّت سارية في كثيرٍ من مناحي حياتهم حتى بعد الإسلام، إلا إنها عُدّلت على نحوٍ لا يُناقض الشرع والأسس الأخلاقية في الإسلام، ولاشك أن هذا التتبع كان سطحياً في بدايته إلا إنه تدرّج ليصل إلى العمق، وهذا العمق العقائدي ساهمتْ فيه ظروف عدّة أهمها وجود نوع من التشابه والتقارب البيئي والمعيشي بين البربر والعرب، فلم يشعروا بغرابة القادمين عليهم، ولم يروا فيهم أسياداً يعاملونهم بفوقية وعجرفة كما الروم البيزنطيين، فتقبلوهم، وتعايشوا معهم، وهذا ما عبّر عنه " موسى بن نصير" للخليفة سليمان بن عبد الملك عن البربر " هم يا أمير المؤمنين أشبه العجم بالعرب: لقاءً ونجده، صبراً وفروسية، سماحة وبادية " بمعنى أن لهم قيمِ وعادات كما للعرب، وهذا ما أزال الفجوة أكثر، وما ساهم فيما بعد في الانصهار الاجتماعي إلى حدٍ ما هو مصاهرة العرب للأهالي، الأمر الذي خلّف أجيالاً تمسكت بهويتها الإسلامية، وكان ذلك عاملاً بضرورة تَعلّم اللغة العربية، لأنها الوسيلة لفهم الدين بداية بالقرآن ونهاية بالفقه الذي يستوجب الحوار والجدال، فلم يكد ينتهي القرن 3هـ حتى تعربت معظم مناطق ليبيا أمام فقر اللهجات البربرية لتراث يحميها فنسى الأهالي " رطانة الأعاجم وتكلموا بلغة العرب، وتحلّوا بشعارهم في جميع أحوالهم " على حد ذكر ابن خلدون، وهذا الأمر دفعهم إلى نسب أنفسهم إلى قبائل عربية في الشمال والجنوب، وبعض تلك القبائل يخبرنا المؤرخين المسلمين كاليعقوبي(1) أنها سكنت ليبيا كالازد ولخم وجُذام والصدف التي استقرت بجبل برقة الشرقي، وتجيب وغسان عشائرها استقرت بجبل برقة الغربي، فلذلك لا نستغرب ملاحظة العبدري في رحلته في القرن السابع الهجري الفصاحة المُلفتة التي يتكلم بها ليبيي برقة، والتي وصفها أنها تفوق فٌصحى أهل الحجاز، مُعللاً ذلك لعدم اختلاط أهالي برقة بغيرهم في حين تأثرت لغة الحجاز باختلاطها بالحجاج القادمين من كل صوب.

* أهم المصادر:

1. ابن حزم، جمهرة أنساب العرب.

2. الطبري، تاريخ الأمم والملوك.

3. ابن الأثير، الكامل في التاريخ .

4. ابن خلدون، العِبر وديوان المبتدأ والخبر.

5. ابن أبي دينار، المؤنس في خبر إفريقية وتونس.

6. الواقدي، فتوح إفريقية (ج1) .

7. المقريزي، الخطط المقريزية (ج1 -2)/ الأتابكي، النجوم الزاهرة .

8. البلاذري، فتوح البلدان .

9. ابن حجر، الإصابة في تمييز الصحابة.

10. المراكشي، البيان المغرب في أخبار المغرب.

11. ياقوت، معجم البلدان/ اليعقوبي: البلدان .

* المراجع:

1- محمد مصطفى بازامه، ليبيا في عهد الخلفاء الراشدين .

2- شوقي ضيف، تاريخ الأدب العربي (عصر الدول والإمارات ) .

 

3- مؤنس، حسين، تاريخ المغرب، ج1.

4- البرغوثي، عبد اللطيف، تاريخ ليبيا من الفتح الإسلامي حتى بداية العصر العثماني.

(1) حضارة العرب، ص605 .

(1) الإصابة في تمييز الصحابة، دار الفكر، بيروت ط1، 2001، ج4، ص 44- 46.

(2) مؤنس، حسين، تاريخ المغرب وحضارته، العصر الحديث للنشر والتوزيع، بيروت، 1992م، ط1، ج1، ص 81 .

(*) إحدى مواقع الفتوحات بالشام على يد خالد بن الوليد، ونخبة من الصحابة التابعين وقعت عام 13هت. ينظر: البلاذري، مصدر سابق، ص 120 – 121 .

(3) ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، مراجعة سهيل زكار، دار الفكر، بيروت، ط3، 1996م، ج2، ص 625 – 637 .

(1) ابن الاثير، الكامل في التاريخ، مؤسسة التاريخ العربي، بيروت، ط1، 1989م، ج2، ص 194 .

(2) ليبيا في عهد الخلفاء الراشدين، دار مكتبة الفكر، 1972م، ص 107 – 111.

(3) المراكشي، البيان المغرب في أخبار المغرب، دار صادر، بيروت، 1950م، ص 1.

(4) ياقوت، معجم البلدان، دار صادر، بيروت، ط2، 1995م، ج1، ص 388 – 389 .

(5) شوقي ضيف، تاريخ الأدب العرب (عصر الدول والإمارات) دار المعارف، القاهرة، 1992م، ص 57 .

(1) التجاني، الرحلة، ص 211 -212.

(2) ابن الاثير، مصدر سابق، ص 193 .

(3) ياقوت، مصدر سابق، ج3، ص 217. يذكر ابن أبي دينار أنَّ فتح جبل نفوسة كان على يد بسر بن أبي أرطأة بأمر من عمرو بن العاص: ينظر، المؤنس، ص26.

(4) البلاذري، مصدر سابق، ص 230. ابن الأثير، مصدر سابق، ص 484.

(1) الإصابة، مصدر سابق، ج4، ص 158، ابن الاثير، مصدر سابق، ج2، ص 590.

(2) الوافدي، محمد، فتوح أفريقية، مكتبة المنار، تونس، 1966م، ص 4.

 

(3) مصدر سابق، ج2، ص 189 .

(4) جمهرة أنساب العرب، القاهرة، 1962م.

(5) ابن حجر، مصدر سابق، ج4، ص 158 .

(6) مصدر سابق، ج2، ص 483 – 484 .

(*) هي بلاد واسعة عريضة جندي مصر، وهم نصارى، وفي بلادهم بنت الذهب، صولحت على أيام الخليفة عثمان، ياقوت، مصدر سابق،ج5، ص 308 – 309 .

(*) وهو بلد بين برقة وطرابلس الغرب" طيبة الماء والهواء كثيرة النخل" ياقوت، مصدر سابق، ج1، ص100.

(1) المصدر نفسه .

(2) مؤنس، حسين، مرجع سابق، ج1، ص 80.

(3) مصدر سابق، ج4، ص 158.

(*) مدينة في جنوبي أفريقية، بينها وبين زويلة عشرة أيام من جهة أفريقية، لها قلعة حصينه دائمة القتال والحرب بين قبائلها، أكثر معيشتهم من التمر، ياقوت، مصدر سابق،ج5، ص 366 – 367 .

(4) المصدر نفسه .

(1) تقول رواية ياقوت: أن عقبة جدع أنفه، وقال له: " إذا مَسستَ أنفك ذكرت فلم تحارب العرب، المصدر نفسه.

(*) قصبة فزان في جنوبي إفريقية، ينظر ياقوت، مصدر سابق، ج2، ص 129 .

(*) هي مدينة بالمغرب ثم في جنوبيه ضاربة في بلاد السودان، بها تدبغ أجود الجلود، ياقوت، مصدر سابق، ج4، ص 187 .

(2) ابن أبي دينار، ص 26 .

(3) ابن الأثير، ج2، ص 590 .

(1) ابن حجر، مصدر سابق، ج3، ص 210 – 211.

(2) الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج3، ص 58 – 59.

(3) البلاذري، مصدر سابق، ص 225، ابن الأثير، مصدر سابق، ج2، ص 235 .

(4) ابن الأثير، مصدر سابق، ج2، ص 235 – 236، البلاذري، مصدر سابق، ص 228 .

(1) ابن أبي دينار، مصدر سابق، ص 26 .

 

(*) بضم أوله وفتح ثانيه، هي مدينة جرجير الملك الرومي، بينها وبين القيروان سبعون ميلاً. ياقوت، مصدر، ج3، ص 187.

(3) ابن الأثير، مصدر سابق، ج2، ص 235، ابن أبي دينار، مصدر سابق، ص 26 – 27 .

(4) البلاذري، مصدر سابق، ص 238 – 239 .

(5) ابن حجر، مصدر سابق، ج 3، ص 199 ، ابن أبي دينار، مصدر سابق، ص 27 .

(6) البلاذري، مصدر سابق، ص 238 .

(7) الزاوي، تاريخ الفتح العربي في ليبيا، ص 18 .

(1) ابن حجر، مصدر سابق، ج3، ص 210 – 211.

(2) الأتابكي، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، 1956م، ج1، ص 80 وما بعدها. بازامه، مرجع سابق، ص 165 – 166.

(3) المقريزي، تقي الدين أحمد بن علي، الخطط المقريزية، مكتبة الآداب، القاهرة، 1996م، مج2، ص 83 .

(4) ابن حجر، مصدر سابق، ج2، ص 183 .

(1) البرغوثي، عبد اللطيف، تاريخ لبيا من الفتح الإسلامي حتى بداية العصر العثماني، دار صادر، بيروت، 1972م، ص 55.

(2) ابن حجر، مصدر سابق، ج2، ص 229.

(1) البرغوثي، مرجع سابق، ص 59 – 60 . ابن أبي دينار، مصدر سابق، ص 15 .

(2) ابن أبي دينار، مصدر سابق، ص 25 . مؤنس، مرجع سابق، ج1، ص 99.

(3) ابن أبي دينار، مصدر سابق، ص 21 .

(1) البلدان، اليعقوبي، ص 342 – 344.