مدينة صبراتة

إذا ما غادرت طرابلس وسلكت الطريق الساحلي واتجهت غربا فستبلغ بعد ساعة تقريبا المدينة الأثرية صبراتة ولعل أول ما يلفت نظر الزائر، أطلال مسرحها الروماني في الجانب الشرقي فيها، كذالك الضريح البونيقى الذي يبرز من خلال قطاعات التنقيب في الحي السكنى الممتد جنوب السور البيزنطي يعود إنشاء مدينة صبراتة إلى مطلع الألف الأولى قبل الميلاد، في الفترة التي تلت إقامة المستوطنات الفينيقية الأولى في الشمال الافريقى
والتي على رأسها مدينتا قرطا جنة وعتيقة"اوتيكا" في القطر التونسي الشقيق وتعد صبراتة واحدة من المدن الثلاث التي نسبت إليها قديما أراضى الجزء الغربي الشمالي من ليبيا، والذي أطلق عليه قدماء اليونان اسم تريبوليس أي إقليم"المدن الثلاثة"كما أطلقوا علية اسم "ايمبوريا" أي المرا كز التجارية حيث كانت تقوم هذه المدن الثلاث المشار إليها و التي بقيت من أنشط الأسواق والموانىء التج
ارية الليبية الفينيقية "البونيقية" وذلك إلى انهيار الحكم القرطاجى وقيام

الدولة النوميدية وتمكن الرومان من بسط نفوذهم الذي واجه مقاومة عنيفة من الليبيين النوميديين أسوة باستبسال البونيقيين وعلى اثر الحرب الأهلية الرومانية التي امتدت آثارها إلى الشمال الافريقى وانتصار يوليوس قيصر على خصمه بومبى في موقعة"تايسوس" أسست الولاية الأفريقية التي ضمت اليهاأراضى"الامبوريا"وذلك سنة 465ق.م.
و ترجع أطلال المدينة الحالية في معظمها إلى القرنين الأول والثاني من تأسيس الإمبراطورية الرومانية، حيث تم تجديد بناء المعابد البونيقية السابقة والمحيطة بساحة السوق"الفوروم" والإيوان القضائي"البازيلكا" والمجلس البلدي "الكوريا" في القرن الرابع الميلادي والى ذات الفترة السابقة يعود أيضا حي المساكن على الطريق الرئيسية المؤدية إلى المتحف وكذلك الطريق الرئيسية الثانية والقاطعة للأولى عند الزاوية القائمة على امتداد سور المدينة البيزنطي، وفى فترة لاحقة أقيمت مساكن الحي الممتد بين المسرح والطريق الرئيسية الممتدة من الغرب إلى الشرق.

ويلاحظ النسق التربيعى في تقسيم الشوارع وتقطيعها وهذا يتفق بل وينطبق على النظام التخطيطي الهيلينى،
الأمر الذي نتج عنه تطابق في تخطيط ورسم المباني والشوارع مع محور تصميم المسرح و المساكن وتحديدا تلك التي يعود إنشاؤها إلى القرن الثاني الميلادي أي خلال فترة حكم الامبرطورين انطونيوس بيوس وماركوس اوريليوس"180-138" ومن المرجح أن يكون وضع صبراتة في هذه الفترة المزدهرة من حكم الإمبراطور انطونيوس بيوس قد آل إلى أنها أضحت مستوطنة رومانية وذلك بسريان نظام الحقوق المدنية الرومانية على سكانها، ويعتقد أن الأسباب التي تكمن وراء ازدهار المدينة تعود إلى النشاط التجاري فيها وليس الأعمال الزراعية فأرض الضواحي المحيطة بها تعد أقل خصوبة من أراضى مقاطعة لبدة يكون ذلك مقر وكلاء تجار صبراتة، الذي تم العثور علية في مرفأ"اوستيا" القديم على الساحل القريب من مدينة روما، حيث تزدان قائمة المقر المذكور بفسيفساء"صورة لفيل"وقدا ستنتج من هذا أن تجارة صبراتة الرئيسة كانت تقوم على تصدير العاج والمنتوجات ذات السمعة الأفريقية الأخرى وذلك عن طريق فزان وغدا مس وظل البلد مزدهرا طوال القرن الثالث الميلادي إلى عهد الأباطرة السويريين وفي أواسط القرن الرابع الميلادي وقع زلزال، ناهيك عن غزوات السلب والنهب والتخريب التي قامت بها بعض قبائل الاستوريين وتسترد المدينة مكانتها السابقة في فترات لاحقة وذلك حتى مجيء قبائل الو ندال التي اجتاحت الشمال الأفريقي واستهدفت صبراتة تخريبا واحتلالا سنة"455م" شأنها شأن بقية المدن الأفريقية في تلك الحقبة وظلت المدينة مهمله إلى أن احتلها الجيش البيزنطي ثانية سنة"533م" وفى عهد الإمبراطور جستيان الذي استمر في الحكم إلى سنة"565م" أعيد تحصين القسم الأقدم من المدينة المجاور للميناء وذلك بإنشاء وإقامة سور بأبراج، كذلك شيدت فيها كنيسة غطيت أرضية بهوها بالفسيفساء"نقلت الأرضية الفسيفسائية إلى طرابلس عام 1931م وهى محفوظة الآن بقائمة خاصة بالمتحف الجماهيري" وتم في الفترة أيضا بناء مساكن جديدة وعبدت الطرق التي تتخللها على أنقاض المباني السالف ذكرها بمستوى يعلو4-3أقدام فوق المستوى القديم كما يلاحظ من قطاع التنقيب الواقع داخل الباب
البيزنطي في الجهة اليمنى منه مباشرة.

في عام1923م شرع بأعمال التنقيب والحفر في مدينة صبراتة ولأول مرة، ولقد استمرت هذه الأشغال حتى عام 1936م حيث تم خلال هذة المدة الكشف عن نصف مساحة المدينة القديمة تقريبا بما في ذلك المباني العامة وعدد من المساكن والشوارع.
ومن بين المنشآت الهامة التي تم العثور عليها في تلك الآونة مسرح صبراتة.

وفى الخمسينات استؤنفت أعمال الحفر والتنقيب واتسع نطاقها فشمل القسم الغربي من المدينة والكائن جنوب السور البيزنطي، حيث اكتشفت حي سكنى يرجع للفترة الأولى من تأسيس الإمبراطورية الرومانية ويتميز هذا الأثر المعماري البونيقى بطابعة الليبي الواضح